هجرتان من أجل الإسلام بين هجـرة الرسـول الأكرم (ص) وهجـرة الحسـين (ع)

هجرتان من أجل الإسلام ورسالته، الأولى منهما كانت فراراً من الموت الذي استهدف رسالة محمد صلى الله عليه وآله بشخصه، وقد نفذها الرسول الأعظم بأمر من ربه ليتابع رسالته وينقذها من مشركي مكة وجبابرة قريش كأبي سفيان وأمثاله والثانية قام بها سبطه الحسين بن علي عليه السلام ولكنها كانت للشهادة بعد أن ادرك أن الاخطار المحدقة برسالة جده لا يمكن تفاديها وتجاوزها إلا بشهادته.

لقد هاجر رسول الله من مكة إلى يثرب لأجل رسالته بعد أن تآمرت قريش على قتله لتتخلص منه، لأن بقاءها وانتشارها مرهون بحياته، وبعد أن وجدت أن جميع وسائل العنف التي استعملتها معه على اختلاف أصنافها وأنواعها خلال ثلاثة عشر عاماً لم تغير من موقفه شيئاً كما لم تجدها جميع الإغراءات والعروض السخية، وكان رده الأخير على عروض أبي سفيان وأبي جهل ومغرياتهما “والله لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر أو أموت دونه “.

وعادت قريش بعد جميع تلك المراحل التي مرت بها معه تخطط من جديد للقضاء على رسالته لاسيما بعد أن أحست بأن يثرب ستكون من أعظم معاقلها وستنطلق منها إلى جميع أنحاء الحجاز وإلى العالم بأسره، فاجتمع قادتها في مكان يعرف بدار الندوة وراحوا يتبادلون الآراء للتخلص منه فاقترح بعضهم أن يضعوه في إحدى البيوت مكبلاً بالحديد بعيداً عن أعين الناس ومجالسهم إلى أن يأتيه الموت، كما اقترح آخرون أن يطرد من مكة حتى لا يتحملوا مسؤولية قتله، واتفقوا أخيرا على أن يباشروا قتله على أن تشترك فيه جميع القبائل المكية ويتولى ذلك من كل قبيلة فتى من أشد فتيانها واتفقوا على الزمان والمكان الذي يتم فيه التنفيذ، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في الآية) : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)، والذي تعنيه الآية أن الله قد فوت عليهم هذا التخطيط وأخبر رسوله بما كان من أمرهم، وأمره بالخروج من مكة ليلاً وأن يأمر عليا في المبيت على فراشه قبيل خروجه. وحينما عرض الأمر على علي عليه السلام لم يتردد لحظة واحدة في التضحية بنفسه في سبيله وقال له: أو تسلم أنت يا رسول الله أن فديتك بنفسي، فرد عليه النبي صلى الله عليه وآله بقوله: بذلك وعدني ربي، فطابت نفسه عند ذلك وتبدد ما كان يساوره من خوف وقلق على النبي، وتقدم إلى فراشه مطمئن النفس رابط الجأش ثابت الفؤاد واتشح ببرد الحضرمي الذي اعتاد أن يتشح به في نومه.

وتمت الهجرة من مكة إلى المدينة في السادس من ربيع الأول بعد مرور ثلاثة عشر عاماً على ولادة الإسلام، وفي اليوم الثاني عشر منه كان النبي في المدينة بين أنصاره الجدد الذين احتضنوه وأخلصوا لرسالته وأنقذه الله من تلك المؤامرة الدنيئة التي استهدفت حياته ورسالته وحاك خيوطها شيــخ الأمويين يــوم ذاك أبو سفيــان بن حرب، وسلم محمد لرسالته التي ارغمت ابا سفيان وغيره من مشركي مكة بعد سنوات قليلة من تلك الهجرة على الانضواء تحت لوائها بقلوبهم المشركة الحاقدة يتململون بين أقدام طريدهم بالأمس يستجدون عفوه ورأفته أذلاء صاغرين.

وأبت نفسه الكبيرة التي اتسعت لتعاليم السماء ورسالة الإسلام إلا أن تتسع لأبي سفيان وحتى لزوجته هند آكلة الأكباد وغيرها من المشركين والمشركات وأعلن العفو العام حينما دخل مكة فاتحا منتصرا متجاهلاً جميع سيآتهم بكلماته الخالدة التي لا تزال سمة خزي وعار ما دام التاريخ: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وأعطى لأبي سفيان العدو الأكبر للإسلام ما لم يعطه لأحد من المشركين. وهل غيّر هذا الموقف العظيم الذي لا يمكن ان يصدر من أي إنسان مهما كان نوعه، هل غيّر من نفس أبي سفيان وروحه شيء، وهل أدرك أن موقفا كهذا لا يصدر إلا عن إنسان تسيره إرادة السماء ؟ إن النفوس الحقودة اللئيمة لا علاج لها إلا بالاستئصال والرسول العظيم يعلم ذلك ويعلم أن ما صنعه مع البيت الأموي لا يغير من طبيعته ولكن مصلحة الإسلام يوم ذاك فرضت عليه أن يعالجهم بهذا الأسلوب ويستعمل معهم العفو والرحمة بدلاً من معاملتهم بما يستحقون.

وخلال سنوات معدودات من الحكم استطاع البيت الاموي ان يحقق لهذا البيت أكثر أمانيه واتجهوا يعملون لوثنيتهم وجاهليتهم حتى لا يبقى لرسالة محمد ناطق على منبر أو محراب وليصبح أئمة المساجد والقراء والرواة أبواقاً للسلطة الحاكمة والقبضة الأموية الجديدة التي تعمل للسلطة والجاهلية باسم الإسلام أداة لغسل الأدمغة من عقائده وحشوها بمبادئ الردة والوثنية، وظلوا يعملون بهذا الاتجاه الوثني حتى انقلبت القيم وسحقت التعاليم وذهبت رياح الجاهلية بجهود المخلصين وجاءت بكنوز الذهب للمنافقين، وأصبح التوحيد ستاراً للشرك والإسلام لا يعني سوى الاستسلام للحاكمين، والسنة قاعدة للسلطة، والحديث عرضة للوضع والتزوير والتحريف والألسن قطعت أو اشتريت بأموال الفقراء والمساكين.

أما أصحاب السابقة والجهاد فقد تقاضوا الثمن ولايات وإمارات، واعتزل فريق للعباد وفريق ساوموا على سكوتهم عن الظلم والجور حتى لا يواجهون النفي والموت في صحراء الربذة ومرج عذراء وقصر الخضراء، وعادت الجاهلية الجديدة أثقل ظلا وأشد ظلمة ووحشية والعدو الجديد أشد دهاء وأكثر نضجا وذكاء.

وفجأة سطع ضوء في الظلام ومن بين ركام الإسلام المتداعي وأضاءت للملأ ملامح أمل جديد في دياجي ذلك الظلام المطبق وبدأ للعالم انسان يخط على التراب بدمه،”إلا واني لا أرى الموت إلا السعادة والحياة مع الظالمين إلا برما “.

انه الحسين بن علي وفاطمة سبط ذلك الرسول الذي هاجــر من مكة ليثــرب قبل ستين عامــاً لأجــل رسالتـــه وإنقاذها من الشرك والوثنية ومرة ثانية وفي ظروف لعلها اسوأ على الإنسانية والرسالة من الظروف التي خرج فيها جده من قبل لإنقاذ البشرية مما كانت تعانيه من عسف وجور واستغلال خرج من بيت محمد وعلي البيت الذي وسع التاريخ كله فكان اكبر منه خرج غاضباً مصمما على الموت كأن في صدره اعصارا هو في طريقه إلى الانطلاق. خرج لأجل الرسالة التي هاجر لأجلها جده الرسول الأعظم من قبل يتلفت من حوله وحيداً أعزل يرى الرسالة وآمال الفقراء والمستضعفين تساق إلى قصر الخضراء في دمشق لا يملك سلاحا غير الشهادة التي يراها زينة للرجال كما تكون القلادة زينة للفتاة وهاجر للحصول عليها على هدى وبصيرة وشبحها ماثل نصب عينيه يتطلع إلى تربة كربلاء مع ركبه بصبر وصمود وهو يقول: (خط الموت على ولد آدم مخط القتادة على جيد الفلاة أفلا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محق).

لقد هاجر من مدينة جده إلى مكة ومنها إلى العراق بعد أن رأى رسالة الإسلام تتعرض للانهيار ومصير الإنسان يوم ذاك اسوأ من مصير انسان الجاهلية نافضاً يديه من الحياة لا يملك في مقابل عدوه سوى سلاح الشهادة وفي كل مرحلة كان يقطعها وهو يحث السير إليها كان يشير إلى أنصاره الذين رافقوه في تلك الرحلة ليموتوا معه وإلى أهل بيته الذين هم كل ما يملكه من الحياة إلى هؤلاء جميعاً كان يشير ويكشف لهم عن معاني الشهادة وأهدافها ومعطياتها ويشهد العالم بأسره بأنه قد أدى للإنسانية كل ما يقدر عليه.

لقد كان سيد الشهداء يدرك ويعي أهمية الرسالة الملقاة على عاتقه ويعلم بأن التاريخ ينتظر شهادته وإنها ستكون ضمانا لحياة أمة وأساسا لبناء عقيدة وهتكا لأقنعة الخداع والظلم والقسوة وأداته لسحق القيم ومحوها من الأذهان وإنقاذا لرسالة الله من أيدي الشياطين والجلادين، وهذا هو الذي كان يعنيه بقوله لأخيه محمد بن الحنفية وهو يلح عليه ويتململ بين يديه باكيا حزينا ليرجع إلى حرم جده: (لقد شاء الله أن يراني قتيلا وشاء أن يرى حرمي وعيالي سبايا .(لقد أعطى الحسين للعالم كله بشهادته دروساً مليئة بالحياة غنية بالقيم وروعة الجمال وأصبح هو ومن معه من طفله إلى أخوته وأنصاره وغلمانه القدوة الغنية بمعطياتها للعالم في كل زمان ومكان يعلمون الأبطال كيف يموتون في مملكة الجلادين الذين ذهبت ضحية سيوفهم آمال أجيال من الشباب وتلوت تحت سياطهم جنوب النساء وأبادوا وأجاعوا واستعبدوا رجالاً ونساء ومؤذنين ومعلمين ومحدثين.

لقد ترك الحسين وأخوته وأصحابه وحتى غلمانه دروساً سخية بالعطاء والقيم حافلة بالعبر والمثل التي تنير العقول وتبعث في النفوس والقلوب قوة الإيمان بالمثل العليا والمبادئ السامية التي دعا إليها وضحى بكل ما يملك من أجلها ولا تزال الاجيال تستلهم منها كل معاني الخيـر والنبر والفضيلة وسيبقى الحسين(ع) وأنصاره مثلا كريما لكل ثائر على الظلم والجور والطغيان إلى حيث يشاء الله. لقد هاجر من مدينة جده إلى ارض الشهادة والخلود ليقدم دمه الزكي ودماء اخوته وأنصاره الخالدين ثمنا لإحياء شريعة جده الرسول الأعظم وإنقاذها من مخالب الكفر والانحراف، ولكي يضع حدا لسياسة البطش والتنكيل وإراقة الدماء وليعلن بصوته المدوي الذي لا يزال صداه يقض مضاجع الظالمين ان الإسلام فوق ميول الحاكمين وان المثل والقيم فوق مستوى مطامعهم الرخيصة وان الحرية والكرامة من حقوق الإنسان في حياته ولا سلطان للحكام والطغاة عليه.

أجل ان رسالة الحسين عليه السلام كانت ولا تزال امتدادا لرسالة جده وجهاده امتدادا لجهاد جده وأبيه امير المؤمنين بطل الإسلام الخالد الذي تمم الإسلام وانتشر بسيفه وجهاده. وكما خيبت هجرة الرسول مساعي المتآمرين على قتله بخروجه من مكة إلى يثرب بعد ان بات على فراشه بطل الإسلام الخالد ليدرأ عنه خطر الاعداء ويفديه بنفسه من مؤامرة ابي سفيان وحزبه كذلك خيبت شهادة سبطه الثائر العظيم آمال أمية وأمانيها ومما يطمح إليه حفيدها يزيد بن معاوية من تحطيم الإسلام وعودة الجاهلية والأصنام آلهة آبائه وأجداده وسجلت انتصاراً حطم اولئك الجبابرة الطغاة ودولتهم الجائرة العاتية التي قابلها الحسين وقضى عليها بشهادته ودمه الزكي الطاهر بالرجال والعتاد والأموال.

لقد قاتل مع الحسين عليه السلام اثنان وسبعون شخصاً من أخوته وأبنائه وأنصاره الأبطال الذين امتحن الله قلوبهم بالإيمان فقاتلوا دفاعاً عن الحق والعقيدة ورسالة الإسلام وأرخصوا حياتهم لإعلاء كلمة الله في الارض وكانوا مع قلة عددهم وكثرة الحشود التي اجتمعت لقتالهم يكرون على تلك الحشود بقلوبهم العامرة بالتقوى ونفوسهم المطمئنة الى المصير الذي أعده الله للمجاهدين في سبيله فيفرون من بين أيدهم فرار المعزا إذا شدت عليها الذئاب.

لقد ترك لنا الحسين وجد الحسين والأئمة من ذرية الحسين من اقوالهم وسيرتهم وسلوكهم وجهادهم مدرسة غنية بكل ما نحتاجه في الحرب والسلم والشدة والرخاء والفقر والغنى وكل نواحي الحياة فما اولانا ونحن ندعي الإسلام والتشيع لهم ان نرجع إلى سيرتهم ونسير على خطاهم ونصنع من ميراث أمتنا وقادتنا خير أمة اخرجت للناس. ولو نظرنا ومع الاسف الشديد إلى مبادئ التشيع التي تجسد الإسلام بكل فصوله وخطوطه وقارنا بينها وبين ما نحن عليه من تخاذل وتراجع وإذلال وانحراف عن الإسلام ومبادئه وقيمه وجدنا انفسنا من ابعد الناس عن علي وبنيه وعن الحسين بالذات الذي نحتفل في كل عام بذكراه ونبكيه ونردد بألسنتنا يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.

وسلام الله على الحسين وأنصاره شيوخاً وشبانا الذين لا تزال ذكراهم حية تثير الاسى والشجن في نفوس المحبين.

 

المصدر : تنظيم مستقبل العدالة

اترك تعلیق