عاشوراء الحسين (عليه السلام): إنتصار العدل على الظلم

قال الله تعالى في كتابه العزيز :

{اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ‏الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ ‏مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ ‏تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ} صدق الله العلي العظيم

لا شك ان النور الذي يحدثنا به القرآن الكريم هو ليس النور الذي يشع من قرص الشمس ولا هو نور الكهرباء الذي يضئ دنيانا عن طريق اسلاكها الكهربائية.

هذه الأنوار تضئ الكائنات والموجودات على وجه الأرض لكنها لا تنير خلجات النفوس وظلمات القلوب ، لأن ظلمة القلوب تحتاج الى نور مخصوص ،هذا النور هو نور الحق والعدل، نور الهداية، والإيمان، نور الإرشاد والصلاح، نور العلم والمعرفة.

وعلى مسار حركة التاريخ سعت الرسالات السماوية الى تحقيق مفهوم العدالة بين افراد المجتمعات كقيمة أخلاقية تستمد فكرتها من العدل الإلهي ، والعدالة ليست مفهوما علميا، ولا أمرا قابلا للقياس والمقارنة ولاهي موقفا خاضعا للتجارب العلمية، في حين إنها تقييم خلقي وتاريخي للموقف الانساني تستلهم الشريعة السماوية وأهدافها ، وهكذا فالفعل يكتسب قيمته العدالية، أي يصبح فعلا عادلا عبر ارتباطه بالشريعة ، وهكذا يصبح الفعل الشرعي فعلا عادلا.

واستناداً إلى هذه الفكرة يمكن تقييم ثورة الامام الحسين عليه السلام باعتبارها ثورة عادلة من خلال شرعيتها، وارتباطها بالأصول الإلهية، إضافة إلى فكرة عقلانية الثورة المستمدة تاريخياً من عوامل روحية وثقافية تؤثر تأثيراً عقلانياً في مسارات أحداث حركة التاريخ في مسيرتها لتحقيق سعادة الإنسان مع ملاحظة مشاركة الإنسان كعامل أساسي في صنع التاريخ.

إن النظر إلى الثورات باعتبارها عمليات تغيير تهدف إلى تحقيق العدالة من موقف شرعي يتبنى حاجات الإنسان الروحية والاجتماعية والاقتصادية، يعتمد على تقييم الثورة وفق المعيار الشرعي، وبهذا فهي لا تخضع لحسابات الربح والخسارة من مفهوم مادي في الوقت التي تتجاوب فيه مع تطلعات الإنسان لتحقيق الخلافة الشرعية، وهذه ترتبط من جانب آخر بالوعي، وهنا يتجلى الفرق بين الأهداف الخيالية والأسطورية للثورات المادية، باعتبارها تنزع إلى تحقيق أهداف مجزوءة، وغير كاملة، أو أن تفاعلاتها قصيرة التأثير، قد لا تتجاوز المرحلة الزمنية لولادة الثورة، وهذا يكشف عن قصور ذاتي في عواملها وغاياتها، وبذا تفقد الثورة مصداقيتها واندفاعها بفقدانها لعوامل شرعيتها فتصاب بالجمود نتيجة لعدم التفاعل بين عواملها وغاياتها.

في الجانب الاخر نجد البناء الكوني لثورة الإمام الحسين عليه السلام، فالجذور التاريخية للثورة تستمد شرعيتها من الشريعة الإسلامية وفكرة الخلاص في المجتمع الإسلامي متجذرة في أصل العقيدة، وتحرك الموقف باتجاه الثورة التي لا يمكن أن تتحقق تاريخياً وشرعياً في فكر أهل البيت إلا من خلال القيادة الشرعية، فكان الإمام الحسين بن علي عليهما السلام والخلاص ليس تخميناً ميتافيزيقياً، أو فكراً وهمياً متجرداً عن الأصل العقائدي ، بل أنه قوة تعبوية للأمة في مسيرتها نحو تحقيق مثل عليا، وهنا تتحقق عقلانية الثورة باعتبارها تمهيداً عميقاً لذهنية الأمة في مسيرتها نحو المستقبل الاكثر أملاً فتكون ثورة الإمام الحسين إشراقاً مستقبلياً لتحقيق الخلافة باسم الشريعة، وباسم حركة التاريخ باتجاه الخط الرسالي، وهنا نجد أهمية الإنسان الفرد، وأهمية الأمة في تجاوز العقبات بما تملك من عوامل روحية وعقلية تجعلها تتطلع باستمرار نحو مثل عليا، وإن تعرضت وتتعرض باستمرار إلى حالات من النكوص نتيجة لانحرافه وإتباعها في بعض الأحيان مثلاً مزيفة، وقيماً منحطة، لكنها تبقى تمتلك في ذاتها قدرات داخلية من عقيدتها تدفعها نحو النهوض.

فعملية التغيير تبدأ من الذات لإزالة كل حالات الاستغلال والاستلاب ، وهـي تعتمد على الانســان في ادراك التناقض بين المادي والإلهي ، كما أن إدراك الانسان المؤمن بان التناقض بين المصلحة الفردية والجماعية سيزول ويتلاشى عبر الايمان بأن حياة الانسان كوجود وقيمة لا يمكن أن تنتهي بالموت الجسدي باعتبار الجزاء الأخروي ما يرتب ارتباط الفكر الثوري بالحياة الاخرة ارتباطا عضويا وليس ميتافيزيقيا، فيعطي للثورة قيمة عقلية عليا.

فثورة الإمام الحسين استلهمت ديموميتها،وعبقريتها وعدالتها من العقيدة السماوية لتحقيق سعادة الإنسانية كل الإنسانية ، والفرد سيكتشف ذلك من خلال إدراك القيم الحقيقية لعدالة الثورة وعقلانيتها. والرسالات السماوية جاءت لتنقل الإنسان من عهد التخلف والعبودية وعبادة الأصنام إلى عهد يزخر بالقيم الإنسانية العليا ، شعاره العدل الاجتماعي الذي لا يفرق بين إنسان وأخر بصرف النظر عن قومه ودينه ولغته ولون بشرته.

وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف النبيلة ضحى الحسين عليه السلام بحياته بهدف ترسيخ قيمه السامية في النفوس الضآلة قوله سلام الله عليه :(موت في عز خير من حياة في ذل).

كان الحسين عليه السلام يشاهد أمام عينيه كيف أن الأوضاع الاجتماعية والأخلاقية تنهار وأن تعاليم الإسلام أضحت في خطر بسبب استهتار حكام بني أمية بالقيم القرآنية والتمادي في غيهم وضلالتهم ، ولهذا أعلن الأمام الثورة على النهج المعوج لسياستهم ، موضحاً أن السلطة الأموية الغاصبة للخلافة الإسلامية تحكم بموجب وراثة العرش، قائلا :

 

(والله حتى إذا لم يكن لي في الدنيا ملجأ لما بايعت يزيد) ، وحمل عليه السلام أهل بيته وأفرادا من عشيرته وبعض أصحابه وسار بهم إلى كربلاء في سبيل إصلاح أوضاع الأمة الإسلامية التي أفسدها معاوية.

فقد خرج ثائراً على ظلم وجور وانحراف بني أمية رغم علمه بعدم تكافئ القوى.

كان يعلم إنه سيواجه سيلاً من المرتزقة والمرتدين، كما كان يعلم علم اليقين بأن ما يسمونهم بالأنصار في الكوفة لا يمكن الوثوق بهم لأنهم هم أنفسهم نكثوا العهد مع والده الأمام علي عليه السلام في حرب صفين ، مع ذلك أراد الأمام عليه السلام الذي توسم بقوة الإرادة وصلابة الرأي أن يلقي على أعداء الإسلام درساً في الإسلام الحقيقي وإفهامهم بقيمه الأخلاقية التي هي جوهر الوجود الإنساني بأسره.

ومن هنا حدث الانعطاف الخطير في حياة الأمة الإسلامية، هذا الانعطاف تمثل بيوم عاشوراء، يوم الفصل الذي يتجدد ذكراه كل عام.

ولهذا فإننا بحاجة إلى التأكيد على ثورة الحسين في مغزاها وأهدافها وأبعادها وما آلت اليه من نتائج ايجابية. فقد ظلت ذكرى استشهاد الحسين (ع) صرحاً شامخاً يعلم الأجيال كيف تكون قوة المبادئ وروعة الإيمان، بينما اندثر اسم يزيد وانطوى في عالم النسيان، بعد أن عاش مهووساً لم يفارقه هاجس الشعور بالذنب بما اقترفه من إثم عظيم .

فالمعايير المغلوطة قد أبعدت المجتمع الإسلامي المغلوب على أمره عن فضائله الأخلاقية ودفعت به باتجاه الرذائل مما استحال المجتمع المسلم إلى مجتمع مريض في جسمه وعقله وسلوكه.وبينما كان الأمام الحسين يلاحظ أن القيم الإسلامية التي جاء بها النبي الكريم تنهار من حوله، عمل جاهداً على تطبيق أسس العدالة الاجتماعية بين المسلمين للتخفيف من معانات الضعفاء امتثالا بالآية الشريفة من سورة القصص : (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

فجاءت ثورة الحسين تستصرخ ضمير الأمة ان تعي مسؤوليتها تجاه قيم السماء والمثل العليا التي جاهد الإسلام في تطبيقها على ارض الواقع.

لقد فضح الأمام الحسين بمواقفه الشجاعة يوم الطف زيف الحكام الأمويين الذين تسلحوا بسلاح الكفر والظلم والعدوان.

إن ثورة الحسين ثورة أصحاب الحق الذين قلبوا الأوضاع عقب على رأس بعد ان قلبها الأمويون رأسا على عقب.

وصحيح أن فاجعة كربلاء انتهت بشهادة أبي عبد الله الحسين ، لكن أخبارها انتشرت في بقاع الأرض انتشار النار في الهشيم ، عن طريق الجنود الذين عادوا من ميدان القتال إلى مناطق سكناهم، الذين أخبروا العالم أنباء ملحمة عاشوراء وسعة الأهوال والنكبات والفواجع التي حلت بأحفاد رسول الله على يد ذلك الفاسق والمنحرف والمتحلل يزيد بن معاوية .

فكان من أهم نتائجها أنها حطمت الإطار الديني المزيف الذي صنعه الأمويون وكشفت للناس زيف إدعاءاتهم بأن لهم صلة قربى بآل بيت الرسول(ص)، وتعروا أمام مسلمي العالم كحكام مجرمين ومارقين ومنحرفين عن دين الإسلام.

 

كما بعثت الروح النضالية عند الإنسان المسلم والنهوض من أجل استعادة مبادئ وقيم الإسلام المحمدي الأصيل في المجتمع الإسلامي.

كما إنها لعبت دوراً بارزاً في توجيه وصقل السلوك بعدما استوعب الناس حجم الكارثة وخصوصاً الذين كانوا في الكوفة، وعاصروا المأساة وأدركوا فيما بعد خطورة تخاذلهم عن نصرة الإمام الحسين, وشعروا بالندم المرير فسارعوا إلى التوبة فكانت ثورة التوابين إحدى نتائج ذلك.

وصحيح أن الإمام الحسين استشهد في معركة كربلاء، وسفك دمه الطاهر ومن معه من ولده وأهل بيته وأصحابه، لكنه انتصر وهزم بدمه سيف الظلم والبغي واسقط عرش الطاغوت.

فكانت شهادته عليه السلام هي إحقاقاً للحق والعدل ، وإزالة للظلم، وطلباً للإصلاح،وتأصيلاً للفضيلة.

وتمثل للناس في حلة من النور تخشع لها الأبصار وتنشد إليه عقول وقلوب المستضعفين والمعذبين والمظلومين وتستمد منه أرواح الوالهين عبير العشق الذي لا ينفد ولا يبلى ولا يمحى ولا يذبل ،وتتنسم منه نسيم الحرية والأمل والخلاص .

وأصبح (ع) وثورته المباركة مشعلاً ونبراساً ومعلما يدل على الطريق، ويعلم الأجيال دروساً في الرجولة والبطولة والتضحية والقيم الإنسانية، وراية منتصرة تتناقلها الأجيال يداً بيد عبر التاريخ، وستبقى كذلك حتى يتحقق وعد الله وإقامة دولة الحق والعدل، على يدي بقية الله في أرضه، وحجته على خلقه حفيد رسول الله (ص) الذي سيملئ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلما وجورا والعاقبة للمتقين.

 

على طريق كربلاء …

 

مع إطلالة ذكرى عاشوراء يستوقفنا شعار الاصلاح في هذه الامة .. ذلك الشعار والهدف الذي جعله الإمام الحسين عليه السلام عنواناُ لثورته في كربلاء حين أعلنه بوضوح في خطابه المشهور: (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص) فما الذي أراده الإمام الحسين (ع) من هذا الشعار؟ وهل هو شعار مرحلي ، أم شعار خالد أراد له الحسين (ع) أن يعبر كل العصور والأزمان؟ فكان شعار الإصلاح الحسيني وثورته بحق علاجاً أساسياً، وضرورياً لذلك الواقع المؤلم الذي كانت تعيشه الأمة الإسلامية ، كما هو حالنا اليوم فنحن في أشد الحاجة الى هذا الشعار وفلسفته الإلهية العقائدئة والفكرية والاجتماعية التي أنطلق منها وخصوصا ونحن نعرف أن سنة التغيير مشروطة بإرادة الناس واستعدادهم للتغيير «إن اللَّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

وهذا التغيير لا يمكن أن يحصل من دون صاعقة تهز أعماق النفس وترجعها إلى أصالتها وهويتها الإسلامية ولا يتم هذا إلا بطريقين:

1- التضحية بالأنفس من أجل قضايانا المقدسة لما للتضحية من تأثير على النفوس،فما تقدمه نقطة دمٍ واحدة لأشد وقعاً من كثيرٍ من المؤتمرات والقمم والتحليلات والإصدارات. والدم حتما انتصر وسينتصر على سيف البغي والظلم والاستبداد .

2- العمل الدؤوب لمتابعة قضايا الأمة وما يعترضها وذلك في كل مجالات الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية،وذلك من أجل أن نقدِّم لشعبنا وللآخر منهاج حياة يتناسب مع الواقع المعاصر حتى لا نبقى أمة تعيش الماضي أسطورة. ولكي لا نفقد هويتنا ونصبح أمة نلهث وراء الغرب ولا ندركه.

فقضية كربلاء وفلسفتها الثورية وشعارها الإصلاحي وثيقة تاريخية يحتاج إليها كل من يُضطهد ومن هو بحاجة لتنفس الحرية إلى قراءة هذه الوثيقة الحسينية وما تجلت فيها من معانٍ جمعت بين البطولة والإباء وقوة الشخصية الحرة غير المستعبدة ، لنشر مشروع العدالة الإنسانية المغبونة على الأرض .

فهي مشروعٍ دق أساساته بقوةٍ لكل من يحاول النهوض والانعتاق من العنجهية والظلم الذي كبل البشر وأحالهم إلى عبيدٍ فاقدي للمعنى الإنساني الحقيقي ، واليوم وبعد حقبٍ زمنية طويلة يزداد ذلك الشعار والهدف الإصلاحي، وألقه الثوري الحسيني توهجاً وسطوعاً، ويزداد العشق لكربلاء الأبية التي احتضنت الدماء الزكية التي سقت تراب ألطف وجعلت من كربلاء قبلة لدعاة الحرية والاستقلال .

حقيقة نحن نهنئ المسلمين جميعاً وكل من اعتنق وسار على نهج السيرة الحسينية بذكرى عاشوراء الكبيرة ولا نعزيهم، لأن استشهاد الحسين (ع) وصحبه قد أصبح نبراساً وسراجاً وهاجاً أنار الطريق لكثير من المجتمعات المغلوبة على أمرها والتي أضاعت طريق الصواب ، فاستشهادهم بات بمثابة شق طريق للمحرومين المضطهدين الرافضين لسحق وكبت الحريات،إلا أن ذلك لا يعني عدم تقطع نياط القلب على هذه الواقعة المؤلمة العظيمة بمبادئها والراسخة بأركانها والباقية بتجلياتها ذات البعد الطويل .

فطوبى لعاشوراء وللملحمة الحسينية الخالدة ، وطوبى لمن تنفسوا عبق هذه الثورة الأبدية ، وإذا كانت هناك من تعزية فهي للذين لم يشقوا طريقهم ويحصنوا أنفسهم ومجتمعاتهم بعطاء ثورة الإمام الحسين (ع) وصحبه ، لأنهم يكونوا قد أضلوا الطريق الذي أوجده وغرسه أبطال كربلاء في رائعتهم الخالدة .

فالسلام على الحسين ، وعلى علي بن الحسين ، وعلى أولاد الحسين ، وعلى أصحاب الحسين ما بقي الليل والنهار .

 

موقع تنظيم مستقبل العدالة

اترك تعلیق