شهداء المقاومة البحرانية والدماء التي لن تُكسر

لم يعد مصطلح “المقاومة” غريبا عن التداول في البحرين، وتحديدا بعد التطورات “القمعية” التي لجأ لها النظام الخليفي على نحو مطّرد منذ شهر مارس ٢٠١١م. وهذا يعني أن ظهور هذا المصطلح، وتطبيقاته اللاحقة المتدرجة، لم يكن فجائياً، أو غير متوقع. في الأشهر الأخيرة من العام ٢٠١١م، برزت ملامح أولية لتلك التطبيقات التي تأخذ منحى “المقاومة” بما هي “فعل مقصود” لردع أو تفتيت القوّة القمعية للنظام. لأسباب تتعلق بقصور في المعلومات وحساسية الوضع الأمني؛ من الصعب الآن إجراء تقييم لسلسلة التطورات التي أخذها هذا “الفعل المقاوم“، ولاسيما بعد أن تحوّل إلى صيغة عملانية “أكثر تأثيرا” في توازنات الرّعب في الميدان الثوري بالبحرين.

رغم النقاشات المتداولة حول جدواها؛ تظل الصفة الجوهرية للمقاومة في البحرين هي أنها كانت تطورا موازيا لتطورات القمع، وهو ما يجعلها معرَّفة في كلّ الأحوال بأنها “رد فعل مشروع“، كما يتوضح مع “البيانات” التوضيحية التي تتلو “الأعمال المقاومِة”، حيث تُوضع الأخيرة في سياق الرد على “انتهاك الأعراض” مثلا، أو التعدي على المقدسات، أو الإيغال في القمع الدموي وسقوط شهداء.

عقيل الموسوي

لن ينتهي الجدل بشأن جدوى أو مشروعية “التصعيد النوعي” في أعمال المقاومة، وفي الوقت نفسه لم يفلح كلّ هذا الجدال في التسبُّب في سلب المقاومة – بمفهومها العام والعملي – قدرتها على النفاذ إلى وجدان الناس، ونيلها المقبولية الشعبية، فضلا عن المشروعية القانونية والدّينية. وتحقق ذلك لأسباب عديدة، بينها أن النظام الخليفي تجاوز كلّ الخطوط الحمراء، ما جعل الذهن العام يتقبّل “ردود الأفعال” الحاسمة ضد النظام. كذلك، كان إلغاء الحياة السياسية ومنْع كلّ أشكال الاعتراض العلني المعهود سبباً في أن يُضفي على “المقاومة” مشروعيتها “التاريخية”، حيث مَنَحها ذلك ما يمكن تسميته بـ”المناسَبَة الزمنية” المطلوبة. فحين يُغيَّب الفعل السياسيّ العلني؛ فإن كلّ أفعال الاحتجاج غير العلنية و”الغاضبة” تكون قد وجدت زمانها المنطقي والنفسي في الوقت نفسه.

لاشك أن هناك العديد من الإشارات الخطابيّة التي كرّست “الروح المقاومة“، سواء من جانب القيادات العليا أو المتوسطة أو القيادات الميدانية. لن يخفى على أحد أن “رفُض الإذلال” والامتناع عن “التوقيع على صكّ العبودية“، والدعوة الصريحة لـ”سحق منْ يعتدي على عرض فتاة مؤمنة“، وما بين ذلك من مواقف عملانية لآية الله الشيخ عيسى قاسم (كلّ ذلك) شكّل بيئة “شرعية” حاضنة لتلك الروح التي تجد ملاذها الوافر في العمل المقاوم. يختصر ذلك، بشكلٍ من الأشكال، الهتافُ الشعبي المعروف الذي يقول: “هل من ناصر مقاوم.. لبيك عيسى قاسم“.

الدراز تتوعد بالمقاومة

إضافة إلى ذلك، كان للثيمات، والتوصيفات، والصيغ التعبوية للقوى الثورية المعارضة (ائتلاف ١٤ فبراير، تيار الوفاء الإسلامي، حركة حق، حركة أحرار البحرين، تيار العمل الإسلامي، حركة خلاص) دورها اللافت في إذكاء هذه الروح، بل والتأسيس المباشر للعديد من نماذجها العملية، وهو أمر كان حاضراً في عموم الخطاب الثوري لهذه القوى التي ابتكرت مفهومات موازية أو شارحة أو مشرِّعة لمفهوم “المقاومة”، من قبيل: “الدفاع المقدس” و”المقاومة المشروعة” و”المقاومة الحسينية“، وآخر ذلك عنوان “مقاومون حتى دحر الاحتلال” الذي كان الشعار الموحد لفعاليات القوى الثورية بمناسبة ذكرى استقلال البحرين في أغسطس ٢٠١٧م. كما كان لخطابات علنية صدرت عن قيادات لهذه القوى الإسهامُ الإضافي في تفسير “المقاومة” وأحيانا اقتراح تدرّجات جديدة لها، كما هو خطاب القيادي في تيار الوفاء الإسلامي، السيد مرتضى السندي، بتاريخ ١٦ يناير ٢٠١٧م، والذي اعتبره متابعون “الإعلان الأول” لمرحلة الكفاح المسلح في البحرين، فيما تلاه إدراج السيد السندي وآخرين في قائمة “الإرهاب” الأمريكية، وهي خطوة أكد الشاب الذي يحمل العديد من أحكام المؤبد والسجن والتهديد بالتصفية؛ بأنه “لا يُخيفنا”.

مجاميع تظاهرات المقاومة

في الأشهر القليلة الماضية، بدأت المجموعات “الثورية” التي تتبنى العمل المقاوم تظهر على السطح من خلال الدعوة إلى فعاليات شعبية معينة. ففي يونيو ٢٠١٧م دعت أربع من هذه المجموعات، وهي: سرايا وعد الله، سرايا الأشتر، سرايا المختار، ومنظمة الكفاح الثوري – وبعضها مدرج ضمن قوائم “الإرهاب” الأمريكية والإقليمية أيضا –  (دعت) إلى تظاهرات تحت عنوان “المقاومة البحرانية طريقنا للتحرير“، ولبّى المواطنون هذه الدعوة وخرجت تظاهرات في ١١ يونيو ٢٠١٧م في عدد من البلدات، هتفت بشعارات تُعلن التأييد للمقاومة، ورُفعت لأول مرة يافطات عليها شعارات تلك المجموعات “المقاومة” التي لا يُعرَف حتى الآن عن هوية القائمين عليها أو تفاصيل بنائها التنظيمي.

تظاهرات دمكم انتصار

كان لاستشهاد رضا الغسرة ورفيقه، وقبلهم إعدام النشطاء الثلاثة في يناير ٢٠١٧م؛ الأثر المعنوي في انفتاح الشارع أكثر فأكثر على خطاب المقاومة في البحرين. تلاقى ذلك مع تداعيات اجتياح بلدة الدراز في ٢٣ مايو ٢٠١٧م ومحاصرة الشيخ قاسم، وما سبق ذلك من خطابات “الدفاع حتى الموت” التي رفعها علماء البحرين ومراجع دين، وكذلك التولُّد الحماسي لمصطلح “الشهداء الفدائيين” مع سقوط خمسة شهداء دفاعا عن الشيخ قاسم في ٢٣ مايو، وقبلهم الشهيد مصطفى حمدان الذي كان أول الشهداء الفدائيين. ولكن مصطلح “الشهداء المقاومين” كان أيضاً من المصطلحات الأكثر تعبيراً عن الانفتاح الشعبي على المقاومة، وقد أخذ هذا المصطلح في الظهور في أربعينية الشهيد رضا الغسرة ورفيقه، وكذلك بعد استشهاد الناشط نبيل السميع، وبدأ بعدها تأسيس خطابيات مكثفة وعلى نحو منظم لهذا المصطلح، وخاصة بعد دعوات أطلقها ناشطون للاحتفاء بقائمة “الشهداء المقاومين” ضمن فعاليات حملت شعار “دمكم انتصار تأبى الإنكسار”.

في سياق هذه الفعاليات، حرص النشطاء والمؤمنون بالعمل المقاوم على تمجيد منْ اعتبروهم رموزا للمقاومة خلال ثورة البحرين، وإضافة إلى البرامج الشعبية والميدانية، فقد أعد ناشطون “بوسترات” وأعمال فنية لصور الشهداء المقاومين وتجهييز بعض هذه الصور بأحجام وبأشكال معينة معينة لتكون جاهزة للطباعة على الجدران.

فمن هؤلاء “الشهداء المقاومون”؟

الشهداء المقاومون ٢

القائمون على هذا التوثيق يؤرخون القائمة بالشهيد أحمد فرحان، حيث كان أول الشهداء المقاومين الذين تصدوا للجنود السعوديين والخليفيين الذين استباحوا منطقة سترة في ١٥ مارس ٢٠١١م. وشكّلت جريمة تفجير رأس فرحان علامةً ترمز على طبيعة “التحدي” الذي جسده البحرانيون مع أوّل تحدٍّ عسكري واسع تواجهه الثورة بعد زحف قوات درع الجزيرة إلى البلاد لقيادة سحق الثورة والانقضاض على اعتصام دوار اللؤلؤة. وقد حظي الشهيد فرحان بترميز متوالٍ في الأدبيات التي عنت ببناء خطابها المقاوم، وتحوّل مشهد جمجمته التي فجّرها الغزاة إلى أيقونة معاكسة للفعل المقاوم وعلى النحو الذي عبّر عنه شعار “رفعي الراس يا سترة الأبيّة“.

وفي ٢٥ يونيو ٢٠١٣ استشهد حسين عبدالله عبدالكريم من بلدة سار، والذي وصفه إئتلاف شباب ١٤ فبراير بأنه “قائد ميداني”، متهماً المخابرات الخليفية بتصفيته داخل منزله “في عملية أمنيّة – استخباراتيّة أودت بحياته”، وشُيّع الشهيد في موكب حاشد اختتُم بمواجهات شديدة بين المتظاهرين والقوات الخليفية.

وفي ٢٣ أكتوبر ٢٠١٣م، أعْلن عن نبأ استشهاد علي الصباغ، الناشط الميداني البارز في بلدة بني جمرة. عُرف الشهيد بملاصقته للميدان، وكان معروفاً بمشاركته القيادية في العديد من العمليات الميدانية التي استهدفت القوات الخليفية، ونعته المجموعات الثورية والمقاومة باعتباره “مجاهدا” وأنه استشهد أثناء “عمله الجهادي“. ومن بيانات النعي بعد استشهاد قيل بأن الشهيد كان من أصحاب “الأيادي القويّة” في ردع اعتداءات الخليفيين على البلدة وأهلها.

كان ابن بلدة الدراز الشهيد فاضل مسلم من الشهداء المقاومين الذين تمت تصفيتهم عمداً برصاص القوات الخليفية، وأُعلن عن استشهاده في ٢٦ يناير ٢٠١٤م. وقد كشفت حركة شباب الدراز في تحقيق خاص بها بأن الشهيد كان أحد المستهدفين في عملية الاغتيال التي استهدفته في بلدة المرخ مع أربعة شبان آخرين اختُطفوا مصابين خلال العملية. وذكر التحقيق بأن العملية نفذتها قوات من الكوماندوز وبإشراف من ضبّاط جهاز الأمن الوطني، وقد عمدت السلطات إلى التستر على عملية الاغتيال على مدى أسبوعين وقبل الإعلان عن استشهاد فاضل.

في الأول من أبريل ٢٠١٤م، أُعلن عن استشهاد حسين شرف في بلدة العكر. الشهيد كان مطاردا مدة طويلة من القوات الخليفية بسبب نشاطه الثوري وصدرت ضده أحكام غيابية وصل مجموعها إلى أكثر من ٤٠ سنة، وقد لاحقته ميليشيات وقوات خليفية في البلدة، والتجأ إلى أحد المنازل الذي شبّت فيه النيران في ظروف غامضة، حيث استشهد حسين متأثرا بجراحه، فيما قال شهود عيان بأن القوات منعت سيارات الدفاع المدني من الوصول إلى المنزل وإخماد النيران.

 وفي “ظروف غامضة“، أُعلن في ١٩ أبريل ٢٠١٤م عن استشهاد الشابين أحمد المسجن وعلي عباس من بلدة المقشع، وادعت السلطات الخليفية تفحّم جثتي الشهيدين في سيارة تعرضت للحريق، في حين أكدت عائلة الشهيد المسجن بأنها استملت جثامين تختلف عن “الهياكل العظمية” التي تم نشرها. وقال ناشطون من البلدة بأن الشهيدين من النشطاء الميدانيين، وكان لهما حراك مؤثر في ردع القوات والتصدي للمركبات العسكرية.

يُعد الشهيد علي فيصل العكراوي واحداً من الشهداء المقاومين المؤثرين في ذاكرة المقاومة البحرانية، حيث كان يُشهَد له بصولاته المؤثرة في الميدان، وكان لنعي والدته خصوصيته في إثارة الحماس بعد أن قدّمته – وهو وحيدها – قربانا للثورة، وكانت قد ولدت به بعد “معاناة في العلاج”، فيما كان لصورة الشهيد بعد حادثة الاستشهاد ضراوتها في الذاكرة البصرية للمواطنين الذين شاركوا في تشييعه بحشود كبيرة. الشهيد علي لُقّب بالعديد من الأوصاف التي تؤشّر على دوره “المقاوم”، ومنها لقب “فارس المقاومة البحرانية“. وقد ادعت وزارة الداخلية في ١٦ مايو ٢٠١٤م بأن انفجارا وقع في بلدة واديان بمنطقة سترة توفي على أثره الشهيد الذي كان مطارداً للأجهزة الخليفية، وقد اضطر للتوقف عن الدراسة بسبب ذلك والانخراط التام في ميادين الثورة.

في ١٥ يوليو ٢٠١٥م، أُعلن في بلدة العكر عن استشهاد الشاب قاسم محسن، وذكرت مجموعات “ثورية” بأنه استشهد “أثناء عمله الجهادي“. وأكد زملاء الشهيد بأنه كان من النشطاء الميدانيين، وقد أطلقت شبكة “العكر نيوز” عليه لقب “شهيد الدفاع المقدس والمقاومة“.

ويعتبر الشهيد الشهيد حسن الحايكي من الشهداء المقاومين الذين تم تعذيبهم حتى الموت داخل السجن بتاريخ ٣١ يوليو ٢٠١٦م، وذلك بعد أقل من شهر على اعتقاله. وأعلنت عائلة الشهيد والمحامي بأن كدمات واضحة كانت على جسد الشهيد ما ينقض مزاعم وزارة الداخلية التي أعلنت بأن وفاته كانت طبيعية. وأكدت الشهادات تعرّض الشهيد للتعذيب فور اعتقاله، وقد رفض التوقيع على اعترافات ملفقة بمشاركته في تفجير بالعكر (الذي استشهدت فيه الشهيدة فخرية مسلم)، وفي يونيو ٢٠١٧م صدر حكم على الشهيد بالسجن المؤبد مع سحب الجنسية في هذه القضية.

في ١٥ يناير ٢٠١٧م، أعلنت السلطات الخليفية تنفيذ حكم الإعدام بحق النشطاء الثلاثة سامي مشيمع، عباس السميع، وعلي السنكيس. وكان ذلك من أشدّ الأحداث التي بدأت معها تتبلور أيقونة “الشهداء المقاومين“، حيث ارتبط الشهداء الثلاثة بمواقفهم المعروفة في مقاومة الجرائم الخليفية، قبل الاعتقال وبعده، وخاصة الشهيد السميع الذي سجّل ثورة غير مسبوقة داخل سجن جو المركزي بعد أن سرّب من داخل زنزانته تسجيلات فيديو أكد فيها براءته من التهم المنسوبة إليه (تفجير الديه مارس ٢٠١٤م الذي  أدى لمقتل مرتزقة بينهم الضابط الإماراتي طارق الشحي)، كما عبّر عن صمود أسطوري وهو تحت الأغلال ومحاط بخطر التعذيب المؤكد داخل السجن.

هذه الأيقونة أخذت رسوخها الأكبر بعد استشهاد “القائد الأسطوري” رضا الغسرة في ٩ فبراير ٢٠١٧م مع رفيقيه الشهيدين محمود يحيى ومصطفى يوسف. وقدّمت حكاية استشهاد الثلاثة بعد نجاح عملية الهروب من سجن جو في الأول من يناير ٢٠١٧م، ومع الهالة الأخّاذة للشهيد الغسرة باعتباره أحد المؤثرين في “العمل المقاوم” والذي نجح أكثر من مرة في كسر قيود السجن؛ (قدّم ذلك) دفعة إيجابية لخيار المقاومة، كما يظهر من التشييع الفخري الحاشد الذي انطلق في بلدة بني جمرة، والذي اعتبره مراقبون “استفتاءا” شعبياً لصالح المقاومة، حيث رُفعت صورة الشهيد الغسرة والشهداء المقاومين وعلت الهتافات الداعية إلى استمرار المقاومة و”الثأر” من القتلة الخليفيين.

بعد ١٠ أيام على استشهاد المقاومين الثلاثة، أُعلن في ٢٠ فبراير ٢٠١٧م عن استشهاد عبدالله العجوز في بلدة نويدرات، وهو من الشبان المطاردين الذين استطاعوا التحرر من سجن الحوض الجاف، وقد حُكم عليه بأحكام عديدة بينها حكم بالسجن المؤبد. وقد استشهد عبدالله بعد مطاردته من قوات خليفية حيث قامت بتصفيته وادعت بأنه استشهد بعد أن “رمى بنفسه هربا من أعلى منزل” اقتحمته القوات فجر ذلك اليوم. وفنّد المعارض إبراهيم شريف رواية وزارة الداخلية بعد معاينته موقع استشهاد عبدالله.

في ١٩ يونيو ٢٠١٧م تعود إلى الواجهة عائلة السميع، حيث أُعلن عن استشهاد الناشط نبيل السميع ذلك اليوم، فيما قالت مصادر قريبة من مجموعات “مقاومة”؛ بأنه استشهد “أثناء عمله الجهادي“، وادعت وزارة الداخلية بأن الشهيد توفي متأثرا بانفجار قنبلة في مزرعة ببلدة أبوصيبع. ونعت قوى ثورية الشهيد وكذلك بيان باسم علماء البحرين، وحيّت تاريخه النضالي وتاريخ العائلة. وقد كان الشهيد من النشطاء المعروفين منذ انتفاضة التسعينات، وتعرض للاعتقال بسبب مشاركته فيها، كما تعرض للمضايقات والملاحقة في سنوات ثورة ١٤ فبراير.

اترك تعلیق